77

أحدث المواضيع

اعلان2

Your Ad Spot

السبت، 15 أغسطس 2026

المسألة السابعة: أقوال العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الحدثين الأصغر والأكبر.

 




يترتب الحكم بناءً على مسألة وهي: هل الأنف والفم من الوجه أو ليسا من الوجه؟ فيها قولان للعلماء:

القول الأول: وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وقول بعض أصحاب الحديث، وبعض أهل الظاهر, أن المضمضة والاستنشاق يعتبر كل منهما فرضاً من فرائض الوضوء؛ لأنه من الوجه, واستدلوا بظاهر القرآن: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).قال في الإنصاف:" {وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ} يَعْنِي الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَرُوهُ وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ وَاجِبٌ. وَعَنْهُ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى. وَعَنْهُ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى" وقال أيضاً" وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: حَيْثُ قِيلَ بِالْوُجُوبِ، فَتَرْكُهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، وَلَوْ سَهْوًا: لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الصُّغْرَى. ".[1]

واحتجوا أيضاً بالسُّنة في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا توضأت فمضمض) وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه، فدل على أنهما من فرائض الوضوء، وليسا من السنن[2].

والقول الثاني: وهو مذهب الجمهور-: أنهما ليسا من الوجه، وأن المراد بالوجه في الآية الكريمة هو البشرة الخارجية، وليس الفم والأنف من خارج الوجه، بل هما من داخل البدن، وعلى هذا فلا يجب على المكلف أن يمضمض ويستنشق في الوضوء، واحتجوا بأدلة من الكتاب والسُّنة, فأما دليلهم من الكتاب فقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ), وقالوا المقصود بالوجه ظاهر البشرة ولا يعتبر الفمَ والأنفَ من الوجه، أي: داخلهما، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة، قالوا: إن الإنسان إذا واجه الغير فالمواجهة إنما تحصل بالبشرة الظاهرة لا بباطن فمٍ ولا بباطن أنفٍ.

وأما دليلهم من السُّنة: قالوا: أكدت السنة هذا المعنى، فقد جاء في حديث الترمذي (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! كيف أتوضأ؟ -أي: صف لي الوضوء الذي أصلي به وأستبيح الصلاة به- فقال عليه الصلاة والسلام: توضأ كما أمرك الله) أي: اقرأ كتاب الله، وما وجدت في آية المائدة فافعله، قالوا: فرد النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي إلى ظاهر القرآن، وهذا أعرابي لا يعرف الوضوء؛ إذ لو كان عارفاً بالوضوء عالماً به لما سأل، فردُّه إلى ظاهر القرآن صريحُ الدلالة على أن المرادَ ظاهرُ الآية[3].

وقد أفتت اللجنة الدائمة بما يناصر القول الأول فقالوا: "ثبتت المضمضة والاستنشاق في الوضوء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، وهما داخلان في غسل الوجه، فلا يصح وضوء من تركهما أو ترك واحدا منهما والأفضل عدم الفصل بينهما لأنه هو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم"[4].انتهى.

المسألة الثامنة: وأما خلاف العلماء في المضمضة والاستنشاق في غسل الحدث الأكبر:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْل، قَال الْحَنَابِلَةُ: الْفَمُ وَالأَنْفُ مِنَ الْوَجْهِ لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ، فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى فَلاَ يَسْقُطُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ[1]  .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ[2]. وَلأَنَّ الْفَمَ وَالأَنفَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، بِدَلِيل أَنَّ الصَّائِمَ لاَ يُفْطِرُ بِوُصُول شَيْءٍ إِلَيْهِمَا، وَيُفْطِرُ بِعَوْدِ الْقَيْءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْل، لأَن الْفَمَ وَالأَنفَ لَيْسَا مِنْ ظَاهِرِ الْجَسَدِ فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُمَا، وَاعْتَبَرُوا غَسْلَهُمَا مِنْ سُنَنِ الْغُسْل[3].

قال ابن تيميَّة: (المضمضة والاستنشاق واجبانِ في الطَّهارتين الصُّغرى والكبرى في ظاهِرِ المذهَبِ)، ثم ذكر بقيَّة الأقوالِ في المذهَبِ، وقال بعدها: (والصَّحيحُ الأوَّلُ- يعني الوجوبَ)[4].

قال ابن باز: (المضمضة والاستنشاق واجبتانِ في الغُسل من الجَنابة، والغُسلِ مِن الحيض، وفي الوضوءِ الشرعيِّ)[5].

 



[1] انظر المغني لابن قدامة/ج1/ص88, وبدائع الصنائع:ج1/ص21, كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية - المضمضة والاستنشاق-208, وحديث عائشة المضمضة والاستنشاق من الوضوء أخرجه الدارقطني (١ / ٨٦) وصوب إرساله.

 

[2] أخرجه البيهقي (١ / ٥٢) ونقل عن الدارقطني أنه أعله.

[3] انظر: المجموع للنووي:ج1/ص363, و بدائع الصنائع:ج1/ص21, حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٧٣، وكشاف القناع ١ / ٩٦ - ١٥٤.

 

 

[4] ((شرح عمدة الفقه لابن تيميَّة- من كتاب الطهارة والحج)) ج1/ص151-153.

 

[5] ((فتاوى نور على الدرب لابن باز)) (5/288، 289).

كتبها: يحيى الشيخي

 



[1] انظر المغني لابن قدامة/ج1/ص88, الانصاف للمرداوي/ج1/ص153, وانظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد:ج1/52.

[2] انظر المغني لابن قدامة/ج1/ص88, وانظر المجموع للنووي/ج1/ص362, والإنصاف للمرداوي:ج1/ص152, وانظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد:ج1/52, وبدائع الصنائع:ج1/ص21.

 

[3] انظر المغني لابن قدامة/ج1/ص88. وانظر المجموع للنووي/ج1/ص363.

[4] كتاب فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء/ ج4/ص78.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مساحة11

Your Ad Spot

قائمة 22