77

أحدث المواضيع

اعلان2

Your Ad Spot

الأحد، 30 أغسطس 2026

اختر من يصنعك



عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرأً مسكينًا، أَلْزَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فشهدتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني، فبسطتُ بُردةً كانت عليَّ، فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت شيئًا سمعته منه.[1]"

تأمل هذه القصة، ثم تأمل سؤالًا جديرًا بالتفكير:

لماذا كان أبو هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة روايةً للحديث، مع أنه لم يُسلم إلا في السنة السابعة للهجرة، ولم يُلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سنوات قليلة؟

إن السر لا يكمن في طول المدة، وإنما في حسن استثمار العلاقة، وشدة الملازمة، وحسن اغتنام الفرص.

فقد كان أبو هريرة رضي الله عنه فقيرًا لا يشغله من شؤون الدنيا ما يشغل غيره؛ فاختار لنفسه أعظم صحبة، وألزم نفسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينهل من علمه، ويحفظ حديثه، ويغتنم كل لحظة من لحظات قربه منه.

ولم يكن صحبة أبي هريرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد صحبة عابرة، بل كانت صحبةَ طالبٍ للعلم، متلهفٍ للمعرفة، يغتنم لحظات القرب ولا يفرّط في مواطن النفع.

وهكذا هو شأن العلاقات في حياتنا؛ فمعظم الناس لديهم علاقات كثيرة، لكن السؤال الأهم:

ما قيمة هذه العلاقات؟ وما الذي تضيفه إلى حياتنا؟

فليس كل من نعرفهم سواء، وليس كل مجلس نجلسه سواء، وليس كل علاقة تستحق أن ننفق فيها الوقت والمشاعر والجهد.

فالعبرة ليست في كثرة العلاقات وإنما في قيمة من حولنا، وصدق أثرهم فينا؛ فبعض العلاقات تزيد العمر معنى، وبعضها تستهلكه دون أن تضيف إليه شيئًا., وقد عُرفت قاعدة 20/80 التي اشتهرت باسم قاعدة باريتو، ومؤداها أن نسبةً قليلة من الأسباب قد تنتج النسبة الأكبر من النتائج.

 والمقصود هنا التنبيه إلى حقيقة مهمة: قد تكون في حياتك علاقات قليلة، لكنها تصنع فيك من الأثر ما لا تصنعه عشرات العلاقات العابرة.

فاختر من تصاحب ؛ فإن بعض الصحبة عمرٌ يضاف إلى عمرك، وبعضها عمرٌ يُنتقص منك، وامنح وقتك لأهل العلم والفكر والخبرة والتجربة، ولأصحاب الهمم والطموحات؛ فإن مجالسة هؤلاء لا تملأ ساعاتك فحسب، بل تملأ عقلك، وتوقظ همتك، وتوسع مداركك، وتعيد رسم وجهتك في الحياة.

وقد تكون ساعة تقضيها مع إنسان صاحب علم أو تجربة، سببًا في تغيير فكرة، أو تصحيح مسار، أو اكتشاف موهبة، أو فتح باب من أبواب الخير لم يكن يخطر لك على بال.

وفي المقابل، فإن من العلاقات والمجالس ما لا تترك وراءها إلا فراغًا في الوقت، وفتورًا في الهمة، وحسرةً في القلب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم":ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة[2]" .

فالمجالس ليست ساعاتٍ تنقضي، بل لبناتٌ تتشكل بها الشخصية، وتُصاغ بها الأفكار، وتعلو بها الهمم أو تخبو.

فاختر من يصنعك, لذلك لا تسأل نفسك فقط:كم عدد علاقاتي؟

بل اسأل:

أيُّ إنسان أصنع من خلال هذه العلاقات؟ وماذا يترك أصحابي في شخصيتي وفكري وخلقي؟

فالعلاقة الناجحة ليست هي التي تملأ وقتك، وإنما التي تضيف إلى عمرك قيمة، وإلى عقلك معرفة، وإلى قلبك صلاحًا، وإلى حياتك أثرًا.

فليست قيمة العلاقات بكثرتها، وإنما بما تتركه فينا من أثر؛ ، فإن الإنسان كثيرًا ما يتشكل بمن يصاحب، ويرتفع أو ينخفض بقدر ما يختار من حوله.  فقد تكون الصحبة التي تبنيها اليوم، هي أعظم ما يصنع غدك.

عاشِرْ أناسًا بالذكاءِ تميَّزوا
واخترْ صديقَكَ من ذوي الأخلاقِ.[3]

                                                                       ***

 كتبها:يحيى الشيخي.



[1] صحيح مسلم.

[2] رواه أبو داود بإسناد صحيح.

 

[3] جيل صدقي الزهاوي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مساحة11

Your Ad Spot

قائمة 22