77

أحدث المواضيع

اعلان2

Your Ad Spot

الأربعاء، 22 أبريل 2026

مراحل نشأة علم التفسير وبداية ظهوره

 


 

لا شك أن علم التفسير أول العلوم القرآنية نشأة ، فقد صاحبت نشأته نزول القرآن الكريم وواكبت الوحي ، والقرآن العظيم نزل عربياً بلسان عربي مبين فكان الرسول صلّى الله عليه وسلم يفهم القرآن جملة وتفصيلا أما الصحابة  مع كونهم فمع كونهم أهل العربية والفصاحة ويفهمون لغة القرآن إلا أنه ربما يشكل عليهم فهم بعض آيات القرآن الكريم وهنا  يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ما غمض عليهم من المنزل ،وكان صلى الله عليه وسلم يبين لهم ما يحتاجون إليه من معانيه وأحكامه, قال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) القيامة17-19, وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) سورة النحل آية رقم ٤٤.

وبالتأمل في آيات القرآن الكريم نجده قد أوجز في موضع ، وأطنب في موضع آخر ، وفصل في مكان ما أجمله في مكان آخر ، وقيد في موضع ما أطلقه في موضع آخر، وخصص في موضع ما جاء به على العموم في موضع آخر ، وهذا في ذاته بيان.

ولكن بعد ذلك دعت الحاجة إلى فهم الكتاب العزيز؛ ذلك لأن فيه إشارات لم يتح لكثير من العرب أن يفهموها ، وكذلك فإن سلوك المسلم الفردي والاجتماعي متعلق على فهم القرآن وربطه في جميع نواحي الحياة ، ولذلك أخذ التفسير مكانة مهمة في حياة المسلم إلى يومنا هذا ؛ ومما لا ريب فيه أن التفسير مرّ بأطوار ومراح

ل ، حتى اتخذ الصورة التي نجده عليها الآن.[1]

 مرحلة عهد النبوة:

البيان الإلهي للقرآن

أول بيان للقرآن هو بيان منزّله جلّ وعلا، وهو تعالى الأعلم بمراده، وقد تكفّل ببيانه ، ويسّره للذكر، وأحكمه وفصلّه، وجعله بيانا وهدى وشفاء لما في الصدور.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؛ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر"[2].

وقال أيضاً: " فقد ثبت من ناحية النقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسّر القرآن كله[3].

- قال الله تعالى: {.  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)}القيامة.

- وقال تعالى: { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}33الفرقان. أي بيانا وتفصيلا، ومن ذلك بيان الله لما أنزل في القرآن[4].

- وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) الأنعام}.

 مفصلا: أي مبينا[5].

- وقال تعالى: { قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16) المائدة}

- وقال تعالى: {حم . والكتاب المبين}(2) في مطلع سورتي الزخرف والدخان، وهذا إقسام من الله تعالى بالقرآن بصفة من أظهر صفاته وهو أنه قرآن مبين؛ يبين بعضه بعضاً، ويبين للناس بيانا مفصلا ما يحتاجون إليه ليهتدوا إلى صراط الله المستقيم وينالوا رضوانه وثوابه، ويسلموا من سخطه وعقابه.

ومما تقدم يتضح لنا أن أول بيان وأول تفسير هو بيان الله لمعاني كتابه الذي هو أفضل بيان وأحسن تفسيرا[6].

● أنواع البيان الإلهي

البيان الإلهي للقرآن على أربعة أنواع:

النوع الأول: تفسير القرآن للقرآن.

وتفسير القرآن بالقرآن هو "بيان معنى آية بدلالة آية أخرى"[7] .

قال ابن القيم : " وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير"[8]

وترجع هذه الأهمية إلى عدة أمور:

الأول: لا شك أن أصدق تفسير كتاب الله هو كلام الله؛ لأنه صادر من المتكلم به ، فقائل الكلام أدرى بمعانيه وأهدافه ومقاصده من غيره.

الثاني : استعمال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الطريق إذ نقل عنه عدد من المرويات فسر فيها بعض الآيات بآيات أخرى.

الثالث : استعمال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الطريق واكتسابه الجانب التأصيلي جعله منهجاً تفسيرياً سار عليه سلف الأمة من الصحابة.

الرابع: وبناء على ما تقدم اعتمده المفسرون في تفاسيرهم وتتابعوا عليه.

الخامس: أن تفسير القرآن بالقرآن باب من أبواب التدبر المأمور به في مثل قوله تعالى : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كثِيرًا [النساء : ٨٢][9].

وهذا النوع منه ما هو صريح ومنه ما يدخله الاجتهاد ؛ والذي يعدّ من التفسير الإلهي هو ما يدلّ على المعنى صراحة من غير التباس، كما في قول الله تعالى: {والسماء والطارق . وما أدراك ما الطارق . النجم الثاقب}.

ففسّر الله تعالى المراد بالطارق بأنه النجم الثاقب.

وأما التفسير الاجتهادي للقرآن بالقرآن فما أصاب فيه المجتهد مراد الله تعالى، فقد وفق فيه لبيان الله للقرآن بالقرآن، وما أخطأ فيه أو أصاب فيه بعض المعنى دون بعض فلا يصح أن ينسب اجتهاده إلى التفسير الإلهي للقرآن.

أنواع تفسير القرآن بالقرآن:

۱ - بیان مراد لفظة في آية بآية أخرى:

روى الطبري (ت: ۳۱۰) عن ابن زيد (ت: ۱۸۲) ، في قوله : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) [الصافات: ٢٢]، قال: «أزواجهم في الأعمال، وقرأ: ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشئمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمُشْئمةِ وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ) [الواقعة: ٧ - ١٠] ؛ فالسابقون زوج ، وأصحاب الميمنة زوج ، وأصحاب الشمال زوج .

قال : كل من كان من هذا حشره الله معه . وقرأ : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوجَتْ ﴾ [التكوير : ٧] .

٢ - تخصيص العام:

في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ﴾ [البقرة: ٢٢١] ؛ وقع خلاف بين المفسرين ، فقال بعضهم : هي عامة في المشركات الوثنيات وفي نساء أهل الكتاب (٢) ، ثم وقع التخصيص لنساء أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلُّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ) [المائدة: ٥] .

3- تقييد المطلق :

قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ ) [الشورى: ٥] ، فأطلق الاستغفار لمن في الأرض ، فشمل الكفار بذلك الاستغفار ، لكنه قيده

في قوله تعالى : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ [غافر : ٧] ، فقيد استغفار الملائكة هنا بالمؤمنين فقط .

فإذا حملنا المطلق هنا على المقيد هناك صار اللفظ المطلق لِمَن فِي الْأَرْضِ ) لفظاً مقيدا بالمؤمنين ، بدلالة الآية الأخرى[10].

ويمكن من خلال الاستقراء إضافة نوع رابع وهو تفسير إحدى القراءات لغيرها، وقد قال مجاهد بن جبر رحمه الله: (لو كنت قرأت قراءة ابن مسعودٍ لم أحتج أن أسأل ابن عباسٍ عن كثيرٍ من القرآن مما سألت)[11].

النوع الثاني: تفسير القرآن بالحديث القدسي.

وهو أن يرد في الأحاديث القدسية ما يبيّن مراد الله جلّ وعلا ببعض ما ورد في كتابه.

ومن أمثلته ما رواه الإمام أحمد والدارمي والترمذي والحاكم وغيرهم من طرق عن سهيل بن أبي حزم القطعي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} قال: قال الله عز وجل: (أنا أهل أن أتقى؛ فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له)[12].

النوع الثالث: ما نزل من الوحي على النبيّ صلى الله عليه وسلم لبيان تفسير بعض ما أنزل الله في القرآن، ومن ذلك الأخبار عن المغيّبات وتفصيل ما لا يُدرك إلا بتوفيق من الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم، فهذا منشؤه من الله تعالى، ولكن لأجل أن لفظه مؤدّى من النبي صلى الله عليه وسلم جرى استعمال أهل العلم على اعتباره من التفسير النبوي.

 النوع الرابع: البيان القدري لبعض معاني القرآن

ويلحق بالبيان الإلهي ما يجعله الله من الآيات البينات الدالة على مراده؛ فيقدر أموراً يظهر بها المعنى الذي أراده وقد يكون وهم فيه من وهم، وأخطأ فيه من أخطأ.

كما في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي الكبرى من حديث الحسن البصري عن الزبير بن العوام، قال: " لما نزلت هذه الآية {واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصةً} الآية] الأنفال 25[، قال: ونحن يومئذٍ متوافرون، قال: فجعلت أتعجب من هذه الآية: أي فتنةٍ تصيبنا؟ ما هذه الفتنة؟ حتى رأيناها "[13].

- ومن هذا النوع: ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: {غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله}؛ عن ابي سعيد الخدري قا" لمَّا كانَ يومُ بدرٍ ظَهرتِ الرُّومُ على فارِسَ فأعجَبَ ذلِكَ المؤمنينَ فنزلت الم غُلِبَتِ الرُّومُ - إلى قولِهِ - يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ قالَ ففرحَ المؤمنونَ بظُهورِ الرُّومِ على فارِسَ"[14]

-وكما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله: {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}؛ فإذا خرجت الدابة على الناس ورأوها عيانا صدقوا بها وكان هذا تأويل وقوعها؛ حتى رُوي أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة ولم يكن من أهلها ؛ فتأتيه من خلفه وتقول: الآن تصلي؟ فيلتفت إليها فتَسِمه.

والمقصود أن من أنواع البيان الإلهي لمعاني القرآن ما يقدّره الله جلّ وعلا من الأقدار التي تبيّن مراده، وما يأتي من تأويل كلامه جلّ وعلا،

وهذا النوع من البيان له أمثلة لو تتبعها متتبّعٌ لكان حسناً.

وفي كل نوع من أنواع البيان الإلهي مسائل وتفصيل، وإنما المراد هنا بيان أن أوّل نشأة علم التفسير كانت ببيان الله تعالى للقرآن.

البيان النبوي للقرآن الكريم:

تعريف البيان النبوي: "هو كل قول أو فعل صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صريحا في إرادة التفسير"[15].

قال تعالى:(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)[ النحل/44].

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم المبـيّن الأول للقرآن ، والمرجع الأساس لفهم القرآن .

أنواع البيان النبوي للقرآن:

بيان النبي صلى الله عليه وسلم لمعاني القرآن كان على أنوع:

النوع الأول: تلاوة القرآن تلاوة بيّنة باللسان العربي المبين، ومن دلائل هذا البيان أنه كان يتلو القرآن؛ فيسمعه من يسمعه ويفهمون من دلائل خطابه ما يعرف أثره عليهم، حتى إنّه منهم من يسلم بمجرّد استماعه إلى التلاوة؛ ومنهم من يظهر منه الانبهار بفصاحته وبيانه وإن لم يسلم، ومنهم من يظهر منه فهم المراد ومواصلة العناد، ومنهم من يسأله عن بعض ما يشكل عليه.

النوع الثاني: ما يكون بيانه بمعرفة دعوته صلى الله عليه وسلم، وما وقع بينه وبين المخالفين من الخصومات والمجادلات، وما دحض الله به حجج المبطلين؛ فإنّ فقه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تعين على فهم القرآن.

النوع الثالث: ما يكون بيانه بالعمل به؛ كبيان المراد بإقامة الصلاة بفعله صلى الله عليه وسلم، وقال لأصحابه: (صلوا كما رأيتموني أصلي)[16].

وفي صحيح مسلم من حديث عامر الشعبي عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» قالت: فقلت يا رسول الله، أراك تكثر من قول: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه؟» فقال: " خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها {إذا جاء نصر الله والفتح}، فتح مكة، {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}[17]"

النوع الرابع: ما يكون من ابتداء النبي صلى الله عليه وسلم تفسير بعض الآيات، وبيان المراد بها، كما في حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه قا ل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى} قال: لا إله إلا الله)[18].

النوع الخامس: جواب أسئلة المشركين وأهل الكتاب والمنافقين عن بعض معاني القرآن، وما يوردونه من الشبه والاعتراضات، وهذا أمثلته كثيرة.

النوع السادس: جواب ما يشكل على بعض المسلمين من معاني القرآن.

كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت {من يعمل سوءا يجز به} بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا، وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها»

وروى ابن جرير من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ عن أبي بكر بن أبي زبيرٍ الثقفي قال: قال أبو بكرٍ الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ قال: أي آيةٍ؟ قال: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به} أفكل ما عملنا في الجاهلية نؤخذ به؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكرٍ، رحمك يا أبا بكرٍ، ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك الأواء؟ قال: بلى. قال: فذاك الذي تجزون به). رواه ابن جرير.

وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون {يا أخت هارون}، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك؟

فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم، والصالحين قبلهم»[19].

النوع السابع: تعليم الصحابة وإرشادهم وتنبيه من أخطأ منهم ببيان الصواب له في كتاب الله تعالى؛ كما في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي سعيد بن المعلى، قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيت، فقال: «ما منعك أن تأتيني؟» فقلت: كنت أصلي، فقال: " ألم يقل الله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ثم قال: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد» فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج من المسجد فذكَّرته، فقال: «الحمد لله رب العالمين. هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته».[20]

النوع الثامن: التفسير المتلقّى بالوحي مما فيه بيان بعض المعاني التي لا تُدرك إلا بوحي من الله تعالى كالإخبار عن المغيبات ونحوها، وهذا النوع من خصائص التفسير النبوي.

وله أمثلة: منها: حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}، وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل: إني قد أبغضت فلانا، فينادي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض))[21].

طرق بيان النبي صلى الله عليه وسلم:

اشتمل بيان النبيي صلى الله عليه لتفسير القرآن الكريم على عدة طرق وهي كالتالي:

* تفسير المفردات (بيان الغريب)]

وهذا ليس بكثير، لأن الذين نزل عليهم القرآن عرب فصحاء يفهمون الألفاظ ومعانيها.

ومن أمثلة ذلك:

عن عائشة -رضي الله عنه- عن النبي -رضي الله عنه- قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: ٣] قال: (أن لا تجوروا)[22].

* تعيين المبهم]

ومن أمثلته: عن عياض الأشعري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي موسى -رضي الله عنه-: (هم قوم هذا)، يعني في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: ٥٤] قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (هم قوم هذا)[23].

* بياناً المجمل ، كبيانه صلى الله عليه وسلم للصلاة والزكاة ومقدارها ، لمـا أجمله الله تعالى في قوله:(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)[ البقرة/42].

*  توضيحاً لما أشكل ، كتفسيره صلى الله عليه وسلم للخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى :(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)[ البقرة/186] ، بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا،بل هو سواد الليل وبياض النهار )[24].

*  تخصيصاً للعام ، كتخصيصه صلى الله عليه وسلم للظلم في قوله تعالى :(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)[ الأنعام/83] ، بأنه الشرك بقوله صلى الله عليه وسلم : (ليس كما تقولون، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه:( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)[لقمان/12] )[25] .

* وقد يكون تقييداً لمطلق ،كتقييد اليد في قولـه تعالى :(والسارق والسارقـة فاقطعوا أيديهما) [المائدة /40 ] باليمين.[26]

القدر الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم.

وقع اختلاف بين العلماء في القدر الذي بين الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن :

ـ فمنهم من ذهب إلى أنه صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه كلّ معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه وهو رأي ابن تيمية[27].

ـ ومنهم من ذهب إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يبين لأصحابه من معاني القرآن إلا القليل وهو رأي الخويبي ،نقله السيوطي في الإتقان[28].

ـ ومنهم من ذهب إلى أنه صلى الله عليه وسلم بين الكثير من معاني القرآن لأصحابه ، ولم يبين كل المعاني ؛لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه ،ومنه ما يعلمه العلماء ،ومنه ما يعلمه العرب من لغاتهم ،ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته وهذا رأي الذهبي[29].

مظان تفسير النبي صلى الله عليه وسلم:

تنقسم هذه المظانّ إلى عدة أصناف أساسية:

1. كتب الحديث المسندة (الأصول)

هي المصادر الأولية التي نُقلت فيها السنة بالأسانيد، وأهمها:

كتب التفسير ضمن السنن والجوامع: مثل "كتاب التفسير" في صحيح البخاري وصحيح مسلم وجامع الترمذي. حيث أفرد الأئمة أبواباً خاصة جمعوا فيها الأحاديث التي فسر فيها النبي صلى الله عليه وسلم آيات محددة.

كتب فضائل القرآن: وتوجد غالباً ملحقة بالسنن أو في مؤلفات مستقلة (ككتاب فضائل القرآن للنسائي)، وتتضمن تفسير النبي ﷺ لآثار بعض السور ومكانتها.

المسانيد والمعاجم: مثل مسند الإمام أحمد، حيث يوجد التفسير النبوي مبثوثاً ضمن مسانيد الصحابة الذين رووا تلك الأحاديث.

2. كتب التفسير بالمأثور

هي الكتب التي اعتنى مؤلفوها بجمع ما ورد عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين في تفسير الآيات، ومن أبرزها:

1-   تفسير ابن عباس المنسوب لابن عباس.

2 - جامع البيان فى تفسير القرآن: لابن جرير الطبرى

3 - بحر العلوم: لأبى الليث السمرقندى

4 - الكشف والبيان عن تفسير القرآن: لأبى إسحاق الثعلبى

5 - معالم التنزيل: لأبى محمد الحسين البغوى

6 - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز: لابن عطية الأندلسى.

7 - تفسير القرآن العظيم: لأبى الفداء الحافظ ابن كثير

8 - الجواهر الحسان فى تفسير القرآن: لعبد الرحمن الثعالبى

9 - الدر المنثور فى التفسير المأثور: لجلال الدين السيوطى[30].

3. المؤلفات

·      كتاب الصحيح المسند / عبد الرحمن الوادعي.

·      "التفسير النبوي للقرآن" (رسائل علمية جمعت ما صح من التفسير المرفوع).

·       ما صح تفسيره من القرآن الكريم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فى النصف الأول من القرآن الكريم] عواد بن بلال معيض الزويرعي العوفي.

·       التفسير النبوي الصحيح في القرآن الكريم في النصف الثاني من القرآن الكريم] تكملة لموضوع الماجستير وهي دكتوراه انفس المؤلف.

·       المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-]تأليف: بهاء الدين حيدر بن علي القاشي[31].

كتبها: يحيى بن إبراهيم الشيخي

[1] انظر كتاب نفحات من علوم القرآن/محمد معبد/129.

[2] مقدمة التفسير: (93).

[3] موسوعة التفسير قبل عهد التدوينL54).

[4] انظر تفسير ابن كثير6/99,ومعالم التنزيل للبغوي: 6/83, وتفسير الماوردي: 4/144.

[5] انظر تفسيرابن كثير:3/288, والطبري:12/60,والماوردي: 2/160.

[6]المصدر السابق.

[7] التحريرفي أصول التفسير/مساعد الطيار )51).

[8] التبيان في أقسام القرآن:185.

[9] تفسير القرآن بالقرآن/ دراسة تأصيلية/د. أحمد محمد البريدي/15.

[10] التحرير في أصول التفسير/مساعد الطيار:( 54).

[11] كتاب الجامع الصحيح للسنن والمسانيد/صهيب عبد الجبار16/139/ وقال الألباني: صحيح الإسناد مقطوع.

[12] أخرجه الترمذي (3328) بلفظه، وابن ماجه (4299)، وأحمد (12442) كلاهما باختلاف يسير.الحديث:ضعيف/ المحدث/ ابن العربي.

[13] مسند أحمد/3/47, والحديث: صحيح لغيره، ورجاله ثقات رجال الشيخين.

[14] أخرجه الطبري في ((التفسير)) (18/ 457) باختلاف يسير./ قال الألباني: صحيح لغيره.

[15] التفسير النبوي/خالد الباتلي: 1/54.

[16] متفق عليه.

[17] أخرجه مسلم (484).

[18] رواه الترمذي، وصححه الألباني.

 

[19] أخرجه مسلم (2135).

[20] البخاري( 4703).

[21] صحيح مسلم (2637).

[22] تفيبر ابن كثير:3/13.

[23] تفسير الطبري/8/522.

[24] صحيح أبي داود: (2349 ).

[25] صحيح الترمذي: (3067).

[26] انظر كتاب التفسير النبيوي/خالد الباتلي: 1/67-69.

[27] مقدمة أصول التفسير/ابن تيمية/ صـ 9.

[28] الاتقان للسيوطي: 2/174.

[29] ( التفسير والمفسرون/محمد حسين الذهبي: 1/42 ).

 

[30] انظر كتاب التفسير والمفسرون/ محمد حسين الذهبي:1/147, وكتاب دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي/155.

[31] التفسير النبوي/ خالد الباتلي./1/15.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مساحة11

Your Ad Spot

قائمة 22