77

أحدث المواضيع

اعلان2

Your Ad Spot

الأربعاء، 22 أبريل 2026

تفسير الآيات من{آية 28-30) من سورة الإسراء


 



الآية الأولى: قال الله تعالى: (وإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا )[1].

هذه الآيات تعدّ مكية ضمن معظم آيات السورة التي نزلت بمكة.

الآية الأولى: قوله تعالى:(وإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا (28).

المعنى الإجمالي:

في هذه الآية توجيه رباني لنبيه صلى الله عليه وسلم خاصة, وهي لأمته عامة كمنهج في تعاملهم مع المحتاجين من ذوي القربى وغيرهم, فيه آدب الاعتذار في حالة العجز عن العطاء , وأمره بأن يقول قولا سهلا ليناً وأن يعدهم وعداً جميلا بالعطاء في حال توفره فهذه يطيب خواطرهم حتى إن لم يجدوا عنه مرادهم فالكلمة الطيبة صدقة.

المناسبة:

مناسبة الآية(28) "أنها متممةً وتفصيلاً لما قبلها في الآية 26 {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}. فبعد الأمر بالإنفاق وإيتاء الحقوق، بيّنت هذه الآية أدب التعامل عند تعذر الإنفاق أو الإعراض عن السائل لعدم وجود ما يُعطى له مع التلف".[2]

أسباب النزول:

الآية الأولى: في قوله تعالى (وإما تعرضن عنهم.....الآية)[3] "نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول فنزل  وإما تعرضن عنهم...الآية"[4] .

تفسير الآيات

في قوله تعالى: وإما تعرضن-  "تُعْرِضَنَّ من الإعراض، بمعنى صرف الوجه عن السائل حياء منه وبسبب عدم القدرة على تلبية طلبه"[5].

أي إذا جاءك المحتاجون من أقاربك والسائلون ولم يكن لديك من النفقة ماتعطيهم منها وأعرضت عنهم بوجهك لانتظارك لرزق يأتيك من الله- عز وجل – ففي هذه الحالة لا تكسر خواطرهم بالقول القاسي وإنما قل لهم قولا لينا رفيقا لتشعرهم بصدق اهتمامك بشأنهم، وتدخل السرور على نفوسهم، كأن تقول لهم مثلا-: إنه ليحزنني أن تذهبوا من غير عطاء أنا أشعر بحاجتكم , ولكنني أعدكم بالعطاء مع أول رزق يأتيني من الله أن يكون لكم منه أوفر الحظ والنصيب[6].

وهذا "تأديب عجيب، وقول لطيف بديع، أى لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر غنى وقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض، وعائق يعوق، وأنت عند ذلك ترجو من الله-تبارك وتعالى- فتح باب الخير، لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أى لينا لطيفا"[7].

أما قوله تعالى: (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا) والرحمة هي الرزق, "عن  ابن عباس ( ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) قال: رزق أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ" .

(فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا )- أي: أي قولاً يجبر خواطرهم لا فظاظة فيه, بل  يتصف بالرفق واللين والوعد الجميل الذي يفتح لهم باب الأمل في حال توفره بالعطاء الجزيل[8].

مايستفاد من الآيات:

1-   على الإنسان  أن يبذل مايسطيع من فعل الخير.

2-   على الإنسان في حال عجزه عن فعل الخير أن ينوي فعله حتى لا يحرم الأجر بسبب نيته[9].

.............................................................................

الآية الثانية: قوله عز وجل: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29) ﴾[10].

المعنى الإجمالي

في هذه الآية توجيه من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتوسط في الانفاق, فلا يبخل خوفاً من الفقر ولا يبذّر ويسرف في العطاء فيلوم نفسه بعدها بسبب انعدام مايحتاجه لمساعدة الآخرين , فناه الله عن الإفراط والتفريط, والأسلم هو التوسط واليقين بأن الله متكفل بأرزاق العباد.

المناسبة :

مناسبة الآية مع ماقبلها:

لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَدَبَ الْمَنْعِ بَعْدَ النَّهْيِ عن التبذير بَيَّنَ أَدَبَ الْإِنْفَاقِ فَقَالَ: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ وَهَذَا النَّهْيُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُكَلَّفٍ[11].

أسباب النزول:

عن عبد الله قال: "جاء غلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا، فقال: ما عندنا اليوم شئ، قال: فتقول لك أكسني قميصك، قال: فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاسراً، فأنزل الله سبحانه وتعالى - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط – الآية"[12].

غريب القرآن:

وقوله محسورا: "الْمَحْسُورُ: الْمَنْهُوكُ الْقُوَى. يُقَالُ: بَعِيرٌ حَسِيرٌ، إِذَا أَتْعَبَهُ السَّيْرُ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ)[13]، وَالْمَعْنَى: غَيْرَ قَادِرٍ على إِقَامَة شؤونك. وَالْخِطَابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. آنِفا"[14].

بلاغة الآية:

البلاغة هنا  "فَبِتَمْثِيلِ الشُّحِّ وَالْإِمْسَاكِ بِغَلِّ الْيَدِ إِلَى الْعُنُقِ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَخَيُّلِ الْيَدِ مَصْدَرًا لِلْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وتخيّل بسطها كَذَلِك وَغَلِّهَا شُحًّا، وَهُوَ تَخَيُّلٌ مَعْرُوفٌ لَدَى الْبُلَغَاءِ وَالشُّعَرَاءِ، قَالَ الله تَعَالَى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ثُمَّ قَالَ: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [الْمَائِدَة: ٦٤] وَقَالَ الْأَعْشَى:

يَدَاكَ يَدَا صِدْقٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ... وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ

وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَهُ يَدٌ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ نِعْمَةٌ وَفَضْلٌ، فَجَاءَ التَّمْثِيلُ فِي الْآيَةِ مَبْنِيًّا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِتَمْثِيلِ الَّذِي يَشِحُّ بِالْمَالِ بِالَّذِي غُلَّتْ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، أَيْ شُدَّتْ بِالْغُلِّ، وَهُوَ الْقَيْدُ مِنَ السَّيْرِ يشد بِهِ يَد الْأَسِيرُ، فَإِذَا غُلَّتِ الْيَدُ إِلَى الْعُنُقِ تَعَذَّرَ التَّصَرُّفُ بِهَا فَتَعَطَّلَ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَصَارَ مَصْدَرُ الْبَذْلِ مُعَطَّلًا فِيهِ، وَبِضِدِّهِ مِثْلَ الْمُسْرِفِ بِبَاسِطِ يَدِهِ غَايَةَ الْبَسْطِ وَنِهَايَتَهُ وَهُوَ المفاد بقوله: كُلَّ الْبَسْطِ أَيِ الْبَسْطَ كُلَّهُ الَّذِي لَا بَسْطَ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَعْنَى النِّهَايَةِ"[15].

تفسير الآية:

في هذه الآية توجيه من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتوسط في الإنفاق فلا إفراط ولا تفريط, فقال سبحانه (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) أي لا تمسك عن الإنفاق, وكأن يداك مغلولة أي: مقيدة إلى عنقك, وقوله (لا تبسطها كل البسط), أي بالبذل والعطاء بمعنى لا تسرف في العطاء وتبالغ حتى تنفق كل مالديك. وقوله: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا) أي: يلومك الناس لعدم إعطائهم, أو تلوم نفسك ندماً على انعدام ذات اليد,(محسوراً) أي عاجزا عن الإنفاق أو معدماً منهكاً لاتسطيع أن تجاري المحتاجين فتعطيهم حقوقهم كالبعير العاجز عن السير المنهك المتعب[16].

مايستفاد من الآيات:

1-   النهي عن البخل وعن الاسراف والتبذير في الإنفاق الذي يضر صاحبه.

2-   أن الإمساك عن النفقة المبالغ فيه والإسراف المبالغ فيه كلاهما مذموم عند الله وعند الناس[17].

 ............................................................................

الآية الثالثة رقم(30):

قوله تعالى:( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا )[18].

المعنى الإجمالي:

أن الله هو المتكفل  برزق عباده, لارازق سواه, يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء, فهو الخبير البصير بعباده  العليم بأحوالهم, فهو يرى ويحيط بعلمه الشامل بأمورهم ظاهرها وباطنها, وصغيرها وكبيرها.

المناسبة:

"مَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ اعْتِرَاضٍ بِالتَّعْلِيلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ، وَعَنِ الْإِمْسَاكِ الْمُفِيدِ الْأَمْرَ بِالْقَصْدِ، بِأَنَّ هَذَا وَاجِبُ النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَوَاجِبُهُمْ نَحْوَ قَرَابَتِهِمْ وَضُعَفَاءِ عَشَائِرِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَثِلُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَيْسَ الشُّحُّ بِمُبْقٍ مَالَ الشَّحِيحِ لِنَفْسِهِ، وَلَا التَّبْذِيرُ بِمُغْنٍ مَنْ يُبَذِّرُ فِيهِمُ الْمَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِكُلِّ نَفْسٍ رِزْقَهَا"[19].

غريب الآيات:

يَقْدِرْ: يقتّر ويضيق [20].

تفسير الآية:

في قوله(يبسط الرزق لمن يشاء)البسط هو التوسيع والمد والنشر, فقوله (يبسط) أي يوسع على من يشاء من عباده, وفي الحديث" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له فِي رِزْقِهِ، وأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ, فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"[21]. وهذا دليل من السنة داعماً للآية وموضحاً لها, على أن من أسباب بسط الرزق صلة الرحم , ومن صلة الرحم الإنفاق عليهم ففيه صدقة وصلة. (ويقدر) هو عكس البسط, أي يضيّق ويقتّر على من يشاء وقوله (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) أَيْ: يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ خَافِيَةٌ، فَهُوَ الْخَبِيرُ بِأَحْوَالِهِمُ، الْبَصِيرُ بِكَيْفِيَّةِ تَدْبِيرِهِمْ فِي أَرْزَاقِهِمْ.[22]. 

مايستفاد من الآية:

1-   في الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَكَفِّلُ بِأَرْزَاقِ عِبَادِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهَا: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أَمْلَقَ[23].

2-   أن الإنفاق على الأقارب وذوي الرحم سبب في بسط الرزق على المنفق[24].

 

كتبها: يحيى بن إبراهيم الشيخي 




[1] سورة الإسراء

[2] انظر التحرير والتنوير لابن عاشور: 15/82.

[3] الإسراء (آية:28).

[4] تفسير البغوي:3/130.

[5] الوسيط:3/105.

[6] انظر المصدر السابق, والطبري:17/431, والبغوي:5/89.

[7] القرطبي:10/249.

[8] انظر تفسير السعدي (456), والبغوي:( 5/89).

[9] انظر تفسير السعدي/ المصدر السابق.

[10] الإسراء (الآية آية 29) .

[11] فتح القدير للشوكاني: 3/264.

[12]ابن جرير الطبري:10/250.

[13] [الْملك: ٤].

[14] التحرير والتنوير لابن عاشور:15/85.

[15] التحرير والتنوير:15/85.

[16] انظر الطبري:14/575, تفسير البغوي:5/90, والتحرير والتنوير:15/85.

[17] مستنبط من كلام المفسرين : المصادر السابقة.

[18] سورة الإسراء

[19] التحرير والتنوير لابن عاشور:15/86.

[20] الوسيط: 3/106,الطبري:14/576,

[21] صحيح البخاري (2067), ومسلم:( 2557).

[22] انظر تفسير الطبري:14/576 , والبغوي:50/90, فتح القدير:3/264.

[23] فتح القدير/المصدر السابق.

[24] مستنبط من الآية والحديث.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مساحة11

Your Ad Spot

قائمة 22