يُدمي
الفؤادَ أن نشهدَ صَرْحَ الأسرةِ -وهو مَلاذُ السكينةِ وموئلُ الوداد- وهو يتصدَّعُ
تحت وطأةِ الشتاتِ والتمزق. إنَّ هذا الانهيارَ لا يُنهي رابطةً زوجيةً فحسب، بل يمتدُّ
أثرُه ليخلخلَ ركائزَ الأبناء، دافعاً بهم نحو دروبٍ من الانحرافِ لم يكن ليخطرَ ببالِ
أحدٍ أن يطأوها، لولا غيابُ الدفءِ والاحتواء.
إنَّ
التماسكَ الأسريَّ ليس مجردَ نسيجٍ اجتماعيٍّ عابر، بل هو "ميثاقٌ غليظٌ"
تتضافرُ فيه المودةُ، والتراحمُ، والتكافلُ، ليُشكِّلوا دِرعاً واقيةً تحمي كيانَ البيتِ
من عواملِ التعريةِ النفسيةِ والاجتماعية. هو روحٌ تسري في الجسدِ الواحد، فتجعلُ من
التوافقِ منهجاً، ومن التعاونِ سبيلاً، ومن السكينةِ غايةً.
ولأنَّ
البناءَ إذا ما غابَت أساساتُه استحالَ هباءً، فإنَّ تماسكَ الأسرةِ لا يقومُ على الرغبةِ
وحدَها، بل يستندُ إلى مقوماتٍ راسخةٍ تُحيي المودةَ وتُجدِّدُ العهدَ، نُفصِّلُها
في الآتي:
مقوماتُ التماسكِ:
ركائزُ البناءِ ودرعُ الكيان
لأنَّ
استقرارَ الأسرةِ غايةٌ نُشدُّ إليها الرحال، فإنَّ بلوغَها يتطلبُ تضافرَ مقوماتٍ
جوهريةٍ، تترابطُ كخيوطِ النسيجِ المحكمِ، وهي:
المقومُ
البنائي: هو الركيزةُ الهيكلية، حيثُ
ينهضُ كلُّ فردٍ بدوره المنوطِ به في تناغمٍ يُعززُ تماسكَ البناءِ ويديمُ استقراره.
المقومُ
الديني: ركنُ الزوايا، ومصباحُ الهداية؛
فالدينُ هو الذي يصقلُ الشخصيةَ، ويجعلُ من التقوى عاصماً من الظلمِ، وميزاناً للحقوقِ
والواجبات، ضامناً بذلك بيتاً تغمره السكينة.
المقومُ
العاطفي: شريانُ الحياةِ في البيت؛
حيثُ تتدفقُ مشاعرُ الحبِّ والتقديرِ والاحترام، لتخلقَ مناخاً من الأمانِ النفسيِّ
بين جميعِ الأفراد.
المقومُ
الاقتصادي: توازنٌ بين الحاجةِ والتدبير؛
إذ يتطلبُ وعياً بأولوياتِ المعاش، وتقديمِ الضروراتِ على الكماليات، نأياً بالأسرةِ
عن صراعاتِ "الشرهِ المادي" التي تُنهكُ روحَ المودة.
المقومُ
الصحي: درعُ العافية؛ فسلامةُ الأبدانِ
-وخلوها من الأدواء- تُعينُ الأسرةَ على مواجهةِ نوائبِ الحياةِ وتجاوزِ أزماتِ المرضِ
بتكاتفٍ وثيق.
العاملُ
النفسي: مرآةُ النضجِ الانفعالي؛ فالاتزانُ
العاطفيُّ للوالدين هو التربةُ التي ينبتُ فيها استقرارُ الأبناء، والكلمةُ الطيبةُ
هي بذورٌ لا يُجني ثمرتَها إلا مَن أُشربَ نفسَه الودَّ واللين.
العاملُ
الثقافي: بوصلةُ الفكرِ والسلوك؛ حيثُ
يمنحُ الوعيُ صاحبهُ حكمةً في ضبطِ الانفعالات، وتوازناً في إبداءِ الرأي، مما يُقللُ
من حدةِ الصداماتِ ويُعلي من شأنِ الحوار.
إنَّ
هذه المقوماتِ هي صمَّامُ الأمان؛ فأيُّ خللٍ في أحدِها قد يصدعُ جدارَ التماسك، ويفتحُ
أبواباً من القلقِ والتفككِ لا تُحمدُ عقباها.
كتبها: يحيى الشيخي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق