إن البيوت لا تُهدم بضربةٍ واحدة، وإنما تتصدع
لبِناتها حجرًا بعد حجر، حتى إذا ضعفت أركانها، جاءت أول عاصفة فأسقطت ما بقي
منها. وما أكثر الأسباب التي تتسلل إلى الحياة الزوجية في بدايتها همسًا، ثم لا
تلبث أن تتحول إلى صخب يبدد السكينة، ويطفئ نور المودة، ويُذهب جمال الرحمة التي
جعلها الله روح العلاقة بين الزوجين.
ومن أعظم تلك الأسباب أن يغيب العدل عن بيت
التعدد، فإن الظلم نارٌ لا تبقي على محبة، ولا تذر وئامًا، وأن تمتد أيدي الأقارب
إلى خلافات الزوجين، فيزيدوا النار حطبًا، ويعسروا ما كان يسيرًا، ويكبروا ما كان
صغيرًا.
ومن أسباب الشقاق كذلك أن يعجز كل واحد من
الزوجين عن فهم طبيعة الآخر واحتياجاته النفسية والعاطفية والجسدية، فيكثر العتاب،
ويقل الإعذار، ويظن كل طرف أنه مظلوم، وهو في الحقيقة لم يُحسن الفهم ولم يُحسن
البيان.
ومن أخطر ما يهدد استقرار الأسرة التفريط في
الحقوق الخاصة بين الزوجين، فإن النفوس جُبلت على حاجات لا تستقيم حياتها
بإهمالها، فإذا حُرمت حقها المشروع، أو طال إهمالها، تسلل إلى القلب فراغ مؤلم،
واضطربت المشاعر، وتهيأت أسباب النفور والجفاء.
وقد تضيق الأحوال المادية، فتكثر المطالب،
وتثقل الأعباء، فإذا غابت القناعة، وحلَّ التذمر محل الرضا، تحولت لقمة العيش إلى
سبب للنزاع بعد أن كانت سببًا للاجتماع.
وأشد من ذلك كله الخيانة الزوجية، فهي معول
يهدم الثقة، ويكسر القلوب، ويطفئ جذوة المودة، ويترك في النفس جراحًا قد يطول
برؤها، إن برئت.
وكذلك العنف، سواء أكان ضربةً تؤلم الجسد، أم
كلمةً تجرح الكرامة؛ فكلاهما يقتل الأمان، ويزرع الخوف، ويحول البيت من سكنٍ ورحمة
إلى ميدان خصومةٍ وألم.
ولا يقل خطرًا عن ذلك الإهمال؛ حين يغفل
الزوجان عن التزين أحدهما للآخر، أو يقصران في الرعاية، أو يسرق الانشغال
أوقاتهما، فلا يجد أحدهما من الآخر أذنًا تسمع، ولا قلبًا يحتضن، ولا وجهًا
يستقبله بالبشر والسرور، فتذبل المودة كما تذبل الزهرة إذا انقطع عنها الماء.
ومن أسباب الشقاء أيضًا الغيرة إذا جاوزت حدها،
فإنها تتحول من حارس للمحبة إلى سجان لها، وتلد الشكوك والاتهامات، حتى يصبح
الصفاء موضع ريبة، والبراءة محل اتهام.
ثم تأتي آفة المسكرات والمخدرات، فتغتال العقل،
وتضيع الحقوق، وتبدد الأموال، وتجر الأسرة إلى مهاوي الفقر والضياع، وما دخلت
بيتًا إلا أفسدت أمنه، ومزقت شمله.
ويظل الشك من أخطر الأمراض التي تفتك بالحياة
الزوجية؛ لأنه إذا استوطن القلب، أفسد النظر، وحرف السمع، وجعل صاحبه يرى في
البراءة تهمة، وفي الصدق خداعًا، وفي حسن الظن سذاجة، فلا يكاد يهنأ بطمأنينة، ولا
يذوق طعم السكينة.
وهكذا فإن المشكلات الزوجية لا تنشأ من سبب
واحد، وإنما تتولد من تراكم الغفلات، وإهمال الحقوق، وضعف الحوار، وقلة الصبر، حتى
تضيق القلوب بما رحبت. فإذا أراد الزوجان أن يحفظا بيتهما، فليبادرا إلى إزالة
أسباب الخلاف قبل وقوعه، وليجعلا العدل، والرحمة، وحسن الظن، والرفق، والتغافل،
والحوار الصادق، أعمدةً يقوم عليها بنيان الأسرة؛ فإن البيت الذي تُروى جذوره
بالمودة، وتُحرس أسواره بالتقوى، تعجز رياح الخلاف عن اقتلاعه، ويظل وارف الظلال،
آمن الأركان، مبارك الثمار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق