77

أحدث المواضيع

اعلان2

Your Ad Spot

الاثنين، 17 أغسطس 2026

مكانة العالِم

 




ما أعظم العلم حين يسكن قلبًا عارفًا بالله، وما أجلَّ العالم حين يحمل علمه أمانةً لا وجاهة، ورسالةً لا مهنة، ونورًا يهدي به الحائرين، ويقيم به المعوجَّ، ويوقظ به الغافلين.

إن للعلم سلطانًا لا يزول بزوال الملوك، وعزًّا لا تهدمه تقلّبات الأيام؛ فكم من خامل الذكر رفعه العلم حتى صار اسمه على ألسنة الناس، وكم من صاحب جاهٍ ومالٍ طوته السنون، فلم يبقَ منه إلا ذكرٌ عابر، بينما بقي أثر العالم حيًّا كلما قُرئت كتبه، أو ترددت كلماته، أو اهتدى الناس بهديه.

قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
فلا يستوي من أبصر الطريق ومن يمشي في الظلام، ولا يستوي من عرف الحق فحمله، ومن جهل فقادته الأهواء. فليست قيمة الإنسان بما يملك، وإنما بما يحمل، ولا رفعة المرء بكثرة أتباعه، وإنما بما في قلبه من إيمان، وعقله من علم، وحياته من أثر.

وما العلم إلا ميراثٌ يبقى بعد صاحبه، وأثرٌ يتجاوز عمره، وحياةٌ ثانيةٌ تبدأ حين تنتهي الحياة الأولى. فالمال يفنى، والجاه يتبدل، والجسد يوارى تحت التراب، أما العلم النافع فيمضي من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل، يحيي الله به النفوس ويهدي به العقول.

ومن هنا عظمت منزلة العلماء؛ لأنهم يحملون أمانة الهداية، ومسؤولية البيان، وثقل الكلمة. وفي أوقات الفتن لا يكون العالم كغيره؛ فقد تكون كلمته نجاة أمة، وقد يكون صمته فتنة، وقد يكون ثباته سببًا في ثبات آلاف من الناس.

ومن أبلغ الشواهد موقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن؛ إذ لم ينظر إلى نجاته وحده، بل رأى وراءه أمةً تقتدي بموقفه. ولما قيل له إن في المعاريض مندوحةً عن الكذب، قال: «أنجو بنفسي وأضل هؤلاء؟ والله لا يكون هذا أبدًا». وهنا يظهر الفرق بين حامل العلم وحامل المعلومات؛ فالأول يعرف متى يتكلم، وكيف يتكلم، ومتى يصمت، وما الذي يترتب على كلمته.

إن العالم الحق لا يُقاس بكثرة ما يحفظ، وإنما بما أورثه علمه من خشيةٍ وبصيرةٍ وحكمةٍ وثباتٍ ونفعٍ للناس. ولذلك كان العلماء حصونًا للأمة؛ إذا اضطربت الأفكار رجع الناس إليهم، وإذا التبست السبل استضاءوا ببصيرتهم، فهم كمنارات البحر؛ لا تمنع أمواج الليل، لكنها تدل السفن على موضع النجاة.

فيا طالب العلم، لا تطلب العلم لتُشار إليك الأصابع، ولا لتعلو به على الناس؛ فإن العلم الذي لا يورث خشيةً وتواضعًا وحسن عمل حجةٌ على صاحبه. اطلبه لتعرف ربك، وتبصر طريقك، وتنفع غيرك، وتترك في الحياة أثرًا لا يمحوه الرحيل.

تسلّح بالعلم؛ فإنه عزٌّ بلا عشيرة، وغنىً بلا مال، وهيبةٌ بلا سلطان، ونورٌ لا تطفئه الليالي.

وأجمل ما يتركه الإنسان بعد موته ليس مالًا يقتسمه الورثة، ولا قصرًا يسكنه غيره، وإنما علمٌ علّمه، وقلبٌ أصلحه، وعقلٌ أناره، وطالبٌ دلّه على الطريق.

ففُزْ بعلمٍ تعشْ به حيًّا أبدًا
فالناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ

فطوبى لعالِمٍ جعل علمه لله، وطوبى لعلمٍ أورث صاحبه خشية، وطوبى لأثرٍ بقي بعد صاحبه شاهدًا له يوم يلقى الله؛ يموت الجسد، ولا تموت الكلمة، ويغيب الشخص، ولا يغيب الأثر.

كتبها: يحيى الشيخي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مساحة11

Your Ad Spot

قائمة 22