إن الأسرة في الشريعة الإسلامية ليست مجرد تجمّعٍ عابر، بل هي
ميثاقٌ غليظ، ودوحةٌ يُستظلُّ بفيئها الهانئ من هجير
الحياة ولفح أوجاعها. ومتى ما اعتصمت الأسرة بحبل الله الركين، واستنارت بمشكاة
نبيه الأمين، تحوّلت العقبات إلى دروبٍ من الرحمة، وغدت المشكلات نُسَيماتٍ تزيد
البناء ثباتاً والمودة عمقاً.
إن الاستقرار الأسري لا يُنال بالأماني، ولا يُشيَّد على جرفٍ هارٍ
من الأهواء، بل سبيله الأوحد اعتصامٌ خالص بشرع الله عز
وجل، يتجسد فكراً واعياً وسلوكاً زكياً. فإذا خفَت ضياء الشريعة في جنبات البيت،
تاهت السفينة في مسالك الكبد، وتلاطمت بها أمواج المشقة. وإن تطبيق حدود الله يمتد
ليظلل الحياة الأسرية في مرحلتين مفصليتين:
أولاً:
ما قبل الزواج (حسن الاختيار)
يبدأ
الاستقرار قبل أن يُبنى السقف وتُرفع القواعد، وذلك بحسن الاختيار الزواجي. ينبغي
أن ينهض هذا الاختيار على أساسٍ مكين من الدين والخلق، لا على أعراض دنيا زائفة
تُصيبها الأيدي ثم تزول. فمتى كان الدين هو الملاك والعماد، آتت هذه العلاقة
ثمارها يانعة، وغدت أركان البيت عصيّة على الانهدام أمام عواصف الأيام؛ تصداقاً
لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
"تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا،
وَلَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" متفق
عليه.
ثانياً:
ما بعد الزواج (استدامة الطاعة ورعاية الحقوق)
يتجلى
الشرع بعد عقد الأصرة في لزوم الاستقامة، والتعاون على البر والتقوى، ورعاية
الناشئة تربيةً وإعداداً. فإذا أدى كل طرفٍ ما عليه من حقوق بشرح صدر وطيب نفس،
قبل أن يطالب بما له، قامت دعائم السكن ورسخت قواعد المودة.
ثالثاً:
سماحة البدايات
ومن
جمال الشريعة ومقاصدها العالية حثها على التيسير في أمور الزواج، والحد من
المغالاة في المهور والمطالب التي أثقلت كاهل الشباب وعوّقت عفاف النفوس. وفي
السيرة النبوية أجمل مثال في ذلك؛ فقد رُوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال:
"سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً
وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَتْ: نِصْفُ
أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَزْوَاجِهِ". رواه مسلم.
فها
هو سيد الخلق وخير البرية يضع لأمته منهج البساطة واليسر، لتظل البيوت مفتوحة
للعفاف، بعيدة عن كلفة التفاخر والريب.
كتبها: يحيى الشيخي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق